عجائب الكون اكتشف ما وراء المجهول

صورة حقيقية مذهلة لكوكب سوبر جوبيتر متجمد بالقرب من الأرض يلتقطها تلسكوب جيمس ويب

 

This is a real image of a huge 'super Jupiter' exoplanet near Earth, and it's one of the coldest ever seen

المقدمة: اكتشاف تاريخي في الجوار الكوني

في إنجاز علمي استثنائي لعام 2024، كشف تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) عن صورة مباشرة تُعد تحفة فلكية للكوكب الخارجي Epsilon Indi Ab. يقع هذا العالم الغريب على بعد 12 سنة ضوئية فقط من كوكب الأرض، ليحتل بذلك المرتبة الثانية عشرة في قائمة أقرب الكواكب الخارجية معروفة النسبة إلينا.

ويُصنف هذا الجرم الكوني كـ "سوبر جوبيتر" (Super Jupiter) لكون كتلته تفوق كتلة كوكب المشتري عدة مرات، وهو أقرب كوكب مكتشف حتى الآن أضخم من المشتري. علاوة على ذلك، يُعد Epsilon Indi Ab واحداً من أبرد الكواكب الخارجية التي تم تصويرها بشكل مباشر على الإطلاق، حيث تنخفض درجات الحرارة فيه لتصل إلى نحو 2 درجة مئوية (35 درجة فهرنهايت). وتكمن الأهمية العلمية القصوى لهذا الاكتشاف في أن النظام النجمي الذي يحتضنه يُعد نظيراً لنظامنا الشمسي (Solar System analogue)، مما يمنح الفلكيين فرصة غير مسبوقة لدراسة كواكب شبيهة بعمالقة نظامنا الشمسي في جوارنا الكوني المُباشر.

بطاقة هوية الكوكب والنظام النجمي

يلخص الجدول التالي البيانات الأساسية للكوكب الخارجي ونجمه المضيف لتسهيل الاطلاع السريع على خصائصه الفلكية:

الخاصية

التفاصيل العلمية

اسم الكوكب

Epsilon Indi Ab

المسافة من الأرض

12 سنة ضوئية (في المرتبة الثانية عشرة لأقرب الكواكب الخارجية المعروفة)

النجم المضيف

Epsilon Indi A (Eps Ind A) - بنفس عمر شمسنا تقريباً وأبرد قليلاً، ويشكل نظاماً يُعد نظيراً لنظامنا الشمسي

الكتلة

أكبر بعدة مرات من كوكب المشتري (نحو ضعف الكتلة التي كانت متوقعة له، وهو أقرب كوكب مكتشف أضخم من المشتري)

درجة الحرارة

حوالي 2°C (35°F) — أدفأ بـ 100°C (180°F) فقط من العمالقة الغازية في نظامنا الشمسي

طريقة التصوير

التصوير المباشر (Direct Imaging) بواسطة أداة MIRI

كيف التقط "جيمس ويب" الصورة؟ (تقنية الكوروناغراف)


A view of the Sun's corona captured by the SOHO spacecraft on 3 April 2024. The large red disc in the centre is the coronagraph. Credit: NASA/ESA/SOHO



تُعد الملاحظة والتصوير المباشر للكواكب الخارجية إنجازاً هندسياً وفلكياً نادراً؛ إذ لم نتمكن حتى الآن سوى من تصوير بضع عشرات من الكواكب الخارجية مباشرة. وقد جاء اختيار نظام Epsilon Indi تحديداً نتيجة أرصاد سابقة غير مباشرة؛ حيث أوضحت الباحثة كارولين مورلي (Caroline Morley) من جامعة تكساس في أوستن أن القياسات السابقة أظهرت وجود كوكب عملاق يمارس جذباً ثقالياً على النجم، مما جعل هذا النظام هدفاً رئيسياً ليكون من أولى أهداف الرصد المباشر لتلسكوب جيمس ويب.

ولتحقيق هذا الهدف، استخدم فريق الباحثين أداة الأشعة تحت الحمراء المتوسطة (MIRI) الملحقة بتلسكوب جيمس ويب، والمجهزة بشرائح حجب الضوء المعروفة بـ الكوروناغراف (Coronagraph). تقوم هذه التقنية بحجب الضوء الساطع الصادر من مركز النجم المضيف لإظهار الأجسام الخافتة التي تدور حوله والتي عادة ما يغمرها التوهج النجمي. ويمكن تشبيه عمل الكوروناغراف بوضع يدك أمام عينيك لحجب ضوء الشمس المباشر في يوم مشمس كي تتمكن من رؤية التفاصيل المحيطة بك؛ وهي التقنية ذاتها المستخدمة في راصد الكوروناغراف على مركبة SOHO الفضائية التابعة لوكالة ناسا لدراسة الهالة الشمسية والإنبعاثات الإكليلية.

وتكمن الصعوبة البالغة في تصوير الكواكب الباردة والقديمة في أنها تكون خافتة للغاية وتنبعث معظم طاقتها الحرارية في نطاق الأشعة تحت الحمراء المتوسطة. ورغم أن إجراء هذا النوع من التصوير من المراصد الأرضية يُعد أمراً شبه مستحيل بسبب الامتصاص والتداخل الجوي للأرض، إلا أن تلسكوب جيمس ويب يتغلب على ذلك بفضل موقعه الفضائي ومرآته الضخمة بقطر 6.5 متر، والتي توفر دقة مكانية عالية تسمح بفصل ضوء الكوكب الخافت عن ضوء النجم المضيف المجهد.

"هذا الاكتشاف مثير للغاية لأن الكوكب يشبه كوكب المشتري إلى حد كبير؛ فهو أدفأ قليلاً وأكثر كتلة، ولكنه أكثر شبهاً بالمشتري من أي كوكب آخر تم تصويره مباشرة حتى الآن."

— إليزابيث ماثيوز (Elisabeth Matthews)، الباحثة الرئيسة من معهد ماكس بلانك للفلك في ألمانيا.

مفاجآت علمية: لماذا صُدم العلماء بالنتائج الفعلية؟

على الرغم من أن العلماء كانوا يتوقعون رصد كوكب في هذا النظام النجمي، إلا أن الصور والبيانات الفعلية التي كشف عنها تلسكوب جيمس ويب جاءت بمفاجآت غير متوقعة خالفت التنبؤات النظرية:

  • التوقع المسبق: تم الاستدلال على وجود الكوكب سابقاً عبر "طريقة السرعة الشعاعية" (Radial Velocity Method)، والتي تقيس تذبذب النجم نتيجة الجذب الثقالي للكوكب الذي يدور حوله.
  • الواقع المفاجئ: كشفت الصور المباشرة أن الكوكب يتجاوز ضعف الكتلة المتوقعة له تقريباً، ويقع على مسافة أبعد عن نجمه المضيف، كما يمتلك مداراً مختلفاً تماماً عن التقديرات النظرية. وتبقى أسباب هذا التباين الكبير سؤالاً علمياً مفتوحاً يدفع الفلكيين لإعادة النظر في نماذج تشكل الكواكب وتطورها.
  • طبيعة الغلاف الجوي وخفوت الإشعاع: أظهرت القياسات أن الغلاف الجوي للكوكب يبدو أضعف سطوعاً وخافتاً بشكل غير متوقع عند الأطوال الموجية القصيرة مقارنة بالنماذج النظرية.
  • التفسير المحتمل وحدود البيانات: يرجح فريق البحث أن هذا الخفوت قد يعود إلى وجود غازات مثل الميثان وأول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكربون التي تمتص الضوء ذي الأطوال الموجية القصيرة، أو أن الكوكب مليء بطبقات كثيفة من الغيوم. ومع ذلك، تؤكد الباحثة إليزابيث ماثيوز على حقيقة علمية هامة وهي أن هذه الاستنتاجات تظل أولية؛ إذ لا يملك العلماء حالياً سوى بضع قياسات ضوئية (Photometric Measurements) محدودة للغلاف الجوي، مما يجعل من الصعب الجزم التام بطبيعة مكوناته قبل إجراء أرصاد طيفية أكثر تفصيلاً.

بين الخيال العلمي والبحث المستقبلي

شكل نظام "Epsilon Indi" على مدى عقود مصدراً متجدداً لإلهام الخيال العلمي؛ حيث ظهرت كواكب خيالية تدور في هذا النظام ضمن حلقات مسلسل Star Trek، والعديد من الروايات الفلكية، وألعاب الفيديو الشهيرة مثل Halo. وعن الشغف العلمي بتحويل التوقعات النظرية وإلهام الخيال العلمي إلى واقع مرئي، تُصرّح الباحثة كارولين مورلي: "طالما تخيّل الفلكيون وجود كواكب في هذا النظام لعقود... إنه لأمر مثير حقاً أن نرى كوكباً هناك بأنفسنا ونبدأ في قياس خصائصه".

الخطوات القادمة: يتطلع فريق البحث إلى إجراء قياسات ضوئية وطيفية إضافية للغلاف الجوي لكوكب Epsilon Indi Ab، إلى جانب البحث عن كواكب باردة أخرى مماثلة لإماطة اللثام عن كيفية نشأة هذه العوالم المتجمدة وتطورها عبر الزمن.

جدير بالذكر أن هذه النتائج العلمية تم التقاطها عبر برنامج الرصد العام لـ جيمس ويب في دورته الأولى (Cycle 1 General Observer program 2243)، ونُشرت تفاصيلها في مجلة Nature المرموقة.

شاركنا رأيك: يمثل تصوير كوكب Epsilon Indi Ab نافذة استثنائية لفهم الأنظمة النجمية الشبيهة بنظامنا الشمسي. هل تعتقد أن المراصد الفضائية المستقبلية ستكشف عن وجود المزيد من الكواكب المتجمدة والأنظمة الشبيهة بنظامنا في جوارنا الكوني؟ اترك لنا تعليقك ورأيك أدناه!



الرئيسية فيديوهات الأرشيف المحاكاة من نحن
تم نسخ الرابط بنجاح! ✓