أخف نظام نجمي نيوتروني في الكون يثبت صحة آينشتاين مجدداً
أخف نظام نجمي نيوتروني في الكون يثبت صحة آينشتاين مجدداً: 4 حقائق مذهلة تفرضها النظرية النسبية
عبقرية آينشتاين تحت الاختبار الكوني المباشر
هل يمكن لنظرية علمية صيغت قبل أكثر من قرن من الزمان أن تظل صامدة بدقة متناهية أمام أدق أدوات الرصد الحديثة وفي أكثر بيئات الكون تطرفاً؟ تظل النظرية النسبية العامة لألبيرت آينشتاين خاضعة لاختبارات متواصلة، وفي كل مرة يضعها علماء الفيزياء الفلكية أمام معايير قياس غير مسبوقة، تثبت النظرية صحتها لتكشف عن عمق عبقرية واضعها.
تُعتبر النجوم النيوترونية من أكثر الأجسام الكونية كشفت عنها الفيزياء تطرفاً؛ فهي النوى المنهارة لنجوم عملاقة انفجرت على شكل مستعرات أعظم (سوبرنوفا)، حيث تُضغط كتلة تزيد عن كتلة شمسنا داخل كرة لا يتجاوز قطرها 12 ميلاً (حوالي 20 كيلومتراً). وتبرز من بينها فئة خاصة يُطلق عليها "النباضات" (Pulsars)؛ وهي نجوم نيوترونية تدور حول نفسها بسرعة فائقة وتطلق حزماً من الأمواج اللاسلكية عبر الفضاء كالمنائر الكونية. وبفضل ثبات دورانها الصارم، تعمل نبضاتها كساعات توقيت كوني هي الأدق في الطبيعة.
وعلى الرغم من أن مراقبة النباضات المنفردة تقدم بيانات قيمة، إلا أن رصد النباضات التي تدور ضمن أنظمة نجمية مزدوجة متراكمة يوفر للمختبرات الفلكية بيئة اختبار استثنائية؛ حيث ترتفع شدة التأثيرات النسبية وحناء الزمكان إلى مستويات قياسية لا يمكن محاكاتها في أي مختبر أرضي أو نظام كوكبي.
ومؤخراً، نجح فريق علمي في اكتشاف نظام نجمي مزدوج فريد يحمل اسم PSR J1856-0039 بواسطة التلسكوب اللاسلكي الصيني الكروي بفتحة 500 متر (FAST) - وهو أكبر تلسكوب لاسلكي أحادي الطبق في العالم. يقع هذا النظام على مسافة تتراوح بين 4,200 و6,500 سنة ضوئية من الأرض، ليوفر فرصة تاريخية لاختبار حزم جديدة من تنبؤات آينشتاين.
النقطة الأولى: تحطيم الرقم القياسي لأخف نظام نجمي نيوتروني مزدوج
تُعد الأنظمة المزدوجة التي تتكون من نجمين نيوترونيين نادرة للغاية في فنائنا الكوني؛ إذ لم يسجل العلماء سوى 30 نظاماً فقط من هذا النوع من بين مئات الملايين من النجوم. وتكمن الأهمية العلمية لهذه الأنظمة في أن كتلها العالية ومداراتها الضيقة تجعلها المعيار الذهبي لقياس انحناءات الزمكان وموجات الجاذبية.
كشفت البيانات التحليلية الصادرة عن تلسكوب (FAST) لنظام PSR J1856-0039 عن أرقام قياسية غير مسبوقة:
- الكتلة الإجمالية للنظام: تبلغ حوالي 2.49 كتلة شمسية، وهو أخف مجموع كلي مسجل لكتلة نظام نجمي نيوتروني مزدوج في تاريخ الاكتشافات الفلكية.
- كتلة النجم النباض: تبلغ حوالي 1.3 كتلة شمسية.
- كتلة النجم الرفيق: تبلغ 1.19 كتلة شمسية فقط، مما يجعله واحداً من أخف النجوم النيوترونية المكتشفة على الإطلاق.
وتكتسب كتلة النجم الرفيق (1.19 كتلة شمسية) أهمية استثنائية لأنها تقترب جداً من الحدود النظرية الدنيا لتشكل النجوم النيوترونية؛ حيث تشير المحاكاة العلمية لانفجارات السوبرنوفا إلى أن آليات الانهيار النجمي تعجز عن تكوين نجم نيوتروني يستمر بالوجود بكتلة أصلية أقل من هذا الحد.
"لقد اكتشفنا حوالي 900 نجم نباض، وبعد إجراء عدد من الملاحظات المتابعة، تبين أن هذا النظام النجمي استثنائي للغاية."
— جين لين هان (JinLin Han)، عالم الفلك في المرصاد الفلكي الوطني بالأكاديمية الصينية للعلوم.
النقطة الثانية: مدار فائق السرعة وانكماش تدريجي يقود إلى اندماج حتمي
يتميز النظام النجمي PSR J1856-0039 بخصائص ديناميكية وحركية مذهلة تزيد من حدة التأثيرات النسبية فيه:
- الفترة المدارية: يدور النجمان حول مركز ثقلهما المشترك مرة كل 2.36 ساعة فقط (ساعتان و22 دقيقة)، وهو ثاني أقصر مدار معروف لنظام نيوتروني مزدوج.
- المسافة بين النجمين: تفصل بينهما مسافة ضيقة جداً تعادل تقريباً ضعف المسافة بين الأرض والقمر.
- سرعة الدوران الذاتي: يدور النجم النباض حول محوره نحو 43 مرة في الثانية الواحدة.
نتيجة هذه المسافة القريبة والسرعة المدارية الهائلة، يمارس النجمان رقصة كونية عنيفة تسحب من طاقتهما المدارية باستمرار عبر إشعاع "أمواج الجاذبية" (تموجات تسبح في نسيج الزمكان). ويؤدي هذا الفقدان المتواصل للطاقة إلى انكماش المدار، حيث يتقارب النجمان بمقدار 9 أقدام (2.7 متر) كل عام.
هذا الانكماش المستمر يحدد المسار المأساوي والأخير للنظام؛ فبعد حوالي 82 مليون سنة، سيتلاشى الفارق المكاني بينهما تماماً ليندمجا في اصطدام كوني مهول. ووفقاً لتقديرات الباحثين، سينتج عن هذا الاندماج نجم نيوتروني شديد الثقل بكتلة تصل إلى 2.26 كتلة شمسية، أو قد ينهار الناتج مباشرة تحت وطأة جاذبيته ليولد ثقباً أسود جديداً.
النقطة الثالثة: ثلاثة تأثيرات نسبية تؤكد صحة النظرية بدقة 99%
لم تكن القيمة العلمية لهذا الاكتشاف لتمتد بهذا العمق لولا دقة الملاحظة؛ فقد تمت مراقبة هذا النظام بواسطة تلسكوب (FAST) خلال 17 جلسة رصد مكثفة بين عامي 2020 و2025. ولتوضيح حجم الإنجاز، تجدر المقارنة بالتاريخ العلمي للأنظمة المزدوجة:
- في عام 1974، أدى اكتشاف نظام هولس-تايلور المزدوج (Hulse-Taylor) إلى تقديم أول دليل غير مباشر على وجود أمواج الجاذبية.
- لاحقاً، استغرق العلماء 16 عاماً من المراقبة المستمرة لنظام "النباض المزدوج" (Double Pulsar) للوصول إلى مطابقة مع النسبية بدقة 0.01%.
- بالمقابل، استطاع تلسكوب (FAST) - بفضل حساسيته فائقة التطور - تحقيق مطابقة عالية للنظرية النسبية بدقة 1% (أي اتساق بنسبة 99%) خلال 5 سنوات فقط من الرصد لنظام PSR J1856-0039.
ومن خلال قياس أوقات وصول نبضات الراديو وتحليلها، تمكن الباحثون من استخلاص ثلاثة تأثيرات نسبية رئيسية قيست بشكل مستقل:
- انكماش المدار: الناتج عن فقدان الطاقة المدارية عبر بث أمواج الجاذبية بمعدل 2.7 متر سنوياً.
- المبادرة المدارية (Orbital Precession): الدوران البطيء للمدار البيضاوي بأكمله في الفضاء بمقدار 17.6 درجة سنوياً، وهو معدل أسرع بحوالي 150,000 مرة من الانحراف النسبي المشهور لمدار كوكب عطارد.
- تبادؤ الزمن الثقالي والسرعي: نظراً لأن الجاذبية الشديدة والسرعات العالية تؤديان إلى تباطؤ جريان الزمن، فإن "ساعة" النباض تسير بمعدلات متغيرة على طول مدارها البيضاوي، مما يسبب إزاحة زمنية في وصول النبضات تصل إلى نصف ميللي ثانية.
من الناحية الرياضية والفيزيائية، يكفي قياس تأثيرين فقط من هذه التأثيرات لحساب كتلة كل من النجمين بشكل دقيق، بينما يُستخدم التأثير الثالث كاختبار تقاطعي مستقل؛ فإذا كانت النسبية العامة صائبة، يجب أن تشير التأثيرات الثلاثة إلى نفس قيم الكتل تماماً - وهو ما تحقق بالفعل بدقة متناهية.
"وجدنا أن النظرية النسبية العامة كانت ضرورية لتفسير البيانات، وأن نسبة الاتساق والتوافق تصل إلى حوالي 1%. للأسف، لم نتمكن من كسر هذا الوصف الثقالي أو إيجاد ثغرة فيه."
— جين لين هان، معبراً بدعابة عن رغبة فيزيائيي الطاقة العالية الدائمة في العثور على أخطاء في نظرية آينشتاين لفتح أبواب لفيزياء جديدة.
النقطة الرابعة: التطلع للمستقبل واختبار "سحب الإطار" الكوني
لا تقف طموحات الفريق العلمي عند هذا الحد؛ إذ يخطط الباحثون لمواصلة مراقبة هذا النظام على مدى العقود القادمة لرصد ظاهرة نسبية أكثر تعقيداً تُعرف باسم "سحب الإطار" (Frame Dragging).
لتخيل هذه الظاهرة، يمكن تصور كرة ثقيلة تدور بسرعة داخل سائل لزج كالعسل؛ أثناء دورانها، ستسحب الكرة السائل المحيط بها وتجعله يدور معها. بنفس الطريقة، يتسبب دوران النجم النيوتروني ذي الكتلة الهائلة في "سحب" وتدوير نسيج الزمكان المحيط به، مما يؤدي إلى تأرجح مدار النجم الرفيق.
إن قياس ظاهرة "سحب الإطار" مستقبلاً سيتيح للعلماء تحديد "عزم القصور الذاتي" (Moment of Inertia) للنجم النباض؛ وهو مقياس فيزيائي يكشف كيفية توزع الكتلة والمادة في أعماقه الداخلية. وستوفر هذه المعلومة حداً اختبارياً غير مسبوق لفهم حالة المادة النووية عند الكثافات الخارقة التي تعجز المسرعات الأرضية عن توليدها، مما يفتح نافذة مباشرة على قلب النجوم المنهارة.
الخاتمة: عبقرية لا تتزعزع وتساؤل للمستقبل
يُثبت رصد النظام النجمي المزدوج PSR J1856-0039 مرة أخرى أن الأفكار التي صاغها ألبيرت آينشتاين بقلم وورقة قبل قرن من الزمان لا تزال الإطار الأعدل والأكثر دقة لتفسير أشد أعماق الكون تطرفاً وقسوة. ومع كل قفزة تكنولوجية تبني تلسكوبات عملاقة مثل (FAST)، تعود النسبية العامة لتؤكد ريادتها المطلقة.
ومع هذا الصمود النظري المدهش، يظل هناك سؤال جوهري يراود علماء الفيزياء الفلكية: هل سنتمكن يوماً ما، عبر أدوات الرصد الأكثر خطورة وتطوراً، من العثور على الحدود التي تتوقف عندها نظرية النسبية العامة، أم أن آينشتاين سيظل يسبق حدود خيالنا العلمي إلى الأبد؟


