عجائب الكون اكتشف ما وراء المجهول

زوار من الماضي الكوني: كيف نشاهد أجزاءً من مذنب هالي في سمائنا هذا الأسبوع رغم غيابه لعقود؟

 

تخيل أنك تنظر إلى السماء الليلية لتشاهد بقايا متناثرة من أحد أشهر أجرام الفضاء، بينما الجرم نفسه يبعد عنا ملايين الكيلومترات ولن يزورنا مجدداً قبل عقود!

تخيل أنك تنظر إلى السماء الليلية لتشاهد بقايا متناثرة من أحد أشهر أجرام الفضاء، بينما الجرم نفسه يبعد عنا ملايين الكيلومترات ولن يزورنا مجدداً قبل عقود!

هذه المفارقة المدهشة يحققها لنا مذنب "هالي" الشهير (1P/Halley)؛ فبالرغم من أن المذنب لن يعود لزيارة الأرض إلا بعد 35 عاماً (تحديداً في صيف عام 2061)، وكان آخر ظهور له في أوائل عام 1986، إلا أننا نستطيع رؤية آثاره تتألق في سمائنا الآن.

في الوقت الحالي، تمطر ذرات غبار هذا المذنب السماء مرسلةً ومضات ضوئية مذهلة عبر الفضاء. هذه الشهب ليست سوى نيازك صغيرة تركها المذنب في مداره، ويُعد هذا الأسبوع التوقيت الأفضل لمشاهدتها. نستعرض فيما يلي أبرز الحقائق والمفاجآت المعرفية حول هذه الظاهرة الفلكية الساحرة، وكيف يمكنك الاستمتاع بمشاهدتها.

هديتان سنوياً من مذنب غائب: كيف يزورنا "هالي" مرتين كل عام؟

يدور مذنب "هالي" حول الشمس في مسار تراجعي يقطعه مرة كل 76 عاماً، وخلال هذه الرحلة يتقاطع مساره مع مدار الأرض مرتين.

وعندما يقترب المذنب من الشمس، تسخن حرارتها سطحه وتندفع نفاثات من الجليد المبخر قاذفةً قطعاً صغيرة من الحطام (النيازك/meteoroids). ومع مرور الوقت، تشكَّل سيلٌ شبه مستمر من هذا الحطام عبر مدار هالي.

وعندما تعترض الأرض سيل الحطام هذا في منطقتين محددتين من مدارنا، تنغمس تلك النيازك في الغلاف الجوي لترسم خطوطاً مضيئة في السماء، وذلك عبر فرعين رئيسيين:

  • المسار المغادر (Outbound stream): يسبب زخات شهب "إيتا الدلويات" (eta Aquariids)، ونمر به من منتصف أبريل إلى أواخر مايو، حيث تظهر الشهب وكأنها تنبعث من كوكبة الدلو في السماء الشرقية خلال الساعات التي تسبق الشروق.
  • المسار القادم (Inbound stream): يسبب زخات شهب "الجباريات" (Orionids)، ونمر به من أوائل أكتوبر إلى منتصف نوفمبر، حيث تظهر الشهب بالقرب من كوكبة الجبار (Orion) من بعد الغروب وحتى الفجر كل ليلة.

الذروة ونصائح الرصد: 15 إلى 20 شهاباً في الساعة وكيف تتغلب على المتاعب


الذروة ونصائح الرصد: 15 إلى 20 شهاباً في الساعة وكيف تتغلب على المتاعب


يمكنك رؤية بضعة شهب تنتمي للجباريات في أي ليلة بين 2 أكتوبر و12 نوفمبر، لكن الحدث الأبرز يكمن في ليلة 20-21 أكتوبر (وتحديداً بين منتصف الليل والفجر يوم 21)، حيث تصل زخة شهب الجباريات إلى ذروتها السنوية.

في وقت الذروة وتحت سماء مظلمة وصافية، يمكن للمراقبين مشاهدة 15 إلى 20 شهاباً في الساعة، ورغم ظهورها بشكل عشوائي، إلا أنها تعادل معدل شهاب واحد كل 3 إلى 4 دقائق. كما تظهر الملاحظات السابقة إمكانية رؤية 10 إلى 15 شهاباً في الساعة خلال الليالي المباشرة قبل الذروة وبعدها.

ولتحقيق أقصى استمتاع بهذه التجربة الفلكية وتجاوز أي عقبات قد تواجهك أثناء الرصد، إليك أهم النصائح العملية:

  • الابتعاد عن أضواء المدينة: ابحث عن مكان بعيد عن التلوث الضوئي يوفر رؤية واسعة للسماء. يُنصح بإعطاء عينيك حوالي 20 دقيقة للتكيف مع الظلام، مع تجنب الأضواء الساطعة كأضواء الشوارع، وكشافات السيارات، وشاشات الهواتف المحمولة.
  • الرصد من الضواحي: إذا تعذر الخروج من المدينة، اختر منطقة آمنة ومظلمة نسبياً في الضواحي حيث يمكنك رؤية ألمع نجوم كوكبة الجبار. يمكن لحديقة الفناء الخلفي المزودة بأشجار تحجب أضواء الشوارع القريبة أن تكون مكاناً مناسباً للرصد.
  • التعامل مع القمر في مرحلة الأحدب المتزايد (Waxing Gibbous Moon): التوقيت هذا العام ليس مثالياً بسبب وجود القمر المتزايد في السماء، حيث يصعب ضوؤه الساطع رؤية الشهب الخافتة. وللحد من هذا التأثير، احرص على إبقاء القمر خارج مجال رؤيتك المباشر أثناء النظر إلى السماء.

"القطارات المستمرة": الظاهرة الغامضة التي تحير العلماء


"القطارات المستمرة": الظاهرة الغامضة التي تحير العلماء


عند لمح شهاب من شهب الجباريات وهو يخطف الأنظار في السماء، دقق النظر في موقعه؛ فقد تحظى برؤية ظاهرة غامضة تُعرف باسم "القطارات المستمرة" (Persistent trains).

تظهر هذه الظاهرة على شكل أذيال متوهجة غائمة ورفيعة تتركها الشهب السريعة بشكل خاص بعد اختفائها. وبينما يستمر بعضها لعدة دقائق، يمكن لبعضها الآخر أن يظل مرئياً لعدة ساعات! ورغم أن شهب مذنب هالي مشهورة بإحداث هذه الظاهرة، إلا أنها نادرة الالتقاط في الصور والفيديوهات، ولا تزال غير مفهومة كلياً حتى الآن.

ويرجع العلماء هذه الظاهرة إلى نظريتين رئيسيتين:

  1. نظرية التأين (Ionization): تفترض أن النيازك السريعة تنتج كمية ضخمة من الطاقة أثناء اندفاعها عبر الغلاف الجوي، مما يؤدي إلى تجريد الذرات في مسارها من إلكتروناتها. وتتحرك هذه الذرات المؤينة مع الرياح، وتطلق كل منها ومضة ضوئية صغيرة عندما تلتقط إلكتروناً حراً يلغي تأينها.
  2. نظرية التوهج الكيميائي (Chemiluminescence): تشير إلى أن سحابة المواد المتبخرة التي يتركها النيزك بعد اختفائه تتفاعل كيميائياً مع الهواء المحيط بها، مما ينتج عنه الضوء.

"تتطلب هذه الظاهرة الفريدة المزيد من الدراسات العلمية لتحديد أي التفسيرين هو الأكثر ترجيحاً، أو ما إذا كان كلاهما يشتركان معاً في خلق هذا المشهد الفلكي الساحر."


نظرية التأين (Ionization): تفترض أن النيازك السريعة تنتج كمية ضخمة من الطاقة أثناء اندفاعها عبر الغلاف الجوي، مما يؤدي إلى تجريد الذرات في مسارها من إلكتروناتها. وتتحرك هذه الذرات المؤينة مع الرياح، وتطلق كل منها ومضة ضوئية صغيرة عندما تلتقط إلكتروناً حراً يلغي تأينها.


خاتمة

إن زخة شهب الجباريات ليست مجرد عرض فلكي ممتع في سماء الليل، بل هي تذكير سنوي بجمال هذا المذنب التاريخي الذي يقطع الفضاء بعيداً عن أعيننا، ليترك لنا ذراته لتضيء عتمة ليلنا.

فهل ستنتهز الفرصة هذا الأسبوع، وتخرج في ليلة دافئة لتتأمل السماء وتراقب حطام مذنب لن يراه معظمنا بشكل مباشر إلا بعد عقود طويلة؟

الرئيسية فيديوهات الأرشيف المحاكاة من نحن
تم نسخ الرابط بنجاح! ✓