أسرار الفجر الكوني: كيف تعيد محاكاة "لومينا" رسم طفولة الكون على أسرع الحواسيب الفائقة؟
أسرار الفجر الكوني: كيف تعيد محاكاة "لومينا" رسم طفولة الكون على أسرع الحواسيب الفائقة؟
1. المقدمة: الستار يرتفع عن طفولة الكون
كيف استيقظ الكون من ظلامه الدامس بعد الانفجار العظيم، وكيف تشكلت هيكليته الأولى لتصل إلى صورتها الحديثة؟ ظل هذا السؤال الفلسفي والفيزيائي الشاغل الأكبر لعلماء الكونيات. في عصرنا الحالي، توفر المراصد الفضائية الاستثنائية، وعلى رأسها تلسكوب "جيمس ويب الفضائي" (JWST) وتلسكوب "نانسي غريس روبن الفضائي" (NGRST)، عيناً لا تُقدر بثمن لفك أسرار الفضاء السحيق عبر رصد الأشعة تحت الحمراء. وبينما يواصل تلسكوب "جيمس ويب" تقديم اكتشافات مفاجئة منذ أعوام، يُطلَق تلسكوب "نانسي غريس روبن" لتتمة هذه المهمة الكونية؛ حيث أُطلق قبل شهرين فقط ولم تبدأ مهمته العلمية الرسمية بعد، لكنه يعد بإحداث ثورة رصدية جديدة فور انتظام عمله.
غير أن هذه البيانات الرصدية فائقة الدقة لا يمكنها أن تفصح عن كامل أسرارها بمفردها؛ إذ يحتاج الفلكيون إلى "نماذج محاكاة حاسوبية" عملاقة تُشغَّل على أسرع الحواسيب الفائقة في العالم، لربط الملاحظات بالنظريات الفيزيائية. وفي هذا الصدد، برز مشروع "لومينا" (Lumina) الذي طوره فريق علمي في مركز الهارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية (CfA) بقيادة الباحث أوليفير زير (Oliver Zier)، ونُشرت نتائجه في الدورية العلمية المرموقة (Monthly Notices of the Royal Astronomical Society - MNRAS).
وتُصنف "لومينا" باعتبارها محاكاة هيدروديناميكية إشعاعية واسعة النطاق (Large-volume radiation-hydrodynamic simulation)، وهي النموذج الرقمي الأكثر تفصيلاً ودقة حتى الآن لتتبع تطور الوسط بين المجري، وربط حركة الغازات بانتقال الإشعاع لتفسير مرحلة إعادة التأين الكونية.
2. الأفكار الرئيسية: كيف تشرح "لومينا" التحولات الكبرى في طفولة الكون؟
2.1 محاكاة عملاقة على أسرع حواسيب العالم لترسيم "الشبكة الكونية"
تتميز "لومينا" بحجمها المفهومي الهائل؛ إذ يبلغ طول كل ضلع في صندوق المحاكاة نحو 500 فرسخ فلكي متحرك (cMpc)، أي ما يعادل حوالي 1.5 مليار سنة ضوئية لكل جانب، وهي مساحة تماثل المساحات التي يرصدها الفلكيون بأقوى التلسكوبات. ولإدراك النقلة النوعية في هذا الاتساع، فإن نموذج "IllustrisTNG 300" — الذي كان يُعد أحد أشهر عمليات المحاكاة الكونية السابقة — بلغت أبعاد صندوقه 3.3 فرسخ فلكي مجوف فقط.
ولتحقيق هذه القفزة الحاسوبية، تطلب المشروع معالجة بيانات معقدة على نطاق غير مسبوق؛ حيث أُجريت الحسابات باستخدام أكثر من 15,000 وحدة معالجة رسومية (GPU) على خارق الحواسيب "فرونتير" (Frontier) في مختبر أوك ريدج الوطني، وهو ثالث أسرع حاسوب في العالم (بعد حاسوبي El Capitan وLine Shine). وتكمن أهمية هذا الاتساع في تقديم تحليل إحصائي فائق الدقة للهياكل والأجسام النادرة، والبيئات واسعة النطاق، والتباين الكوني، مما يتيح صياغة نماذج تنبؤية تربط بين توزيع الهيدروجين والهيليوم وتطور المجرات والنوى المجرة النشطة.
2.2 الهيدروجين لم يكن سوى الفصل الأول.. لغز "تأين الهيليوم"
في المرحلة المبكرة من عمر الكون، كان الغاز الممتد في الفراغ بين المجرات يتكون أساساً من الهيدروجين والهيليوم المحايدين. وفي حين حظيت عملية إعادة تأين الهيدروجين بدراسات موسعة نظراً لكونه العنصر الأكثر وفرة، جاءت "لومينا" لتكشف التفاصيل الدقيقة للفصل التالي والأكثر تعقيداً: "تأين الهيليوم"، الذي يشكل نحو 25% من المادة بين المجرات.
فبينما تولت المجرات القزمة النشطة في تشكيل النجوم إعادة تأين الهيدروجين عبر فوتونات فوق بنفسجية منخفضة الطاقة، فإن الهيليوم تطلب طاقة أعلى بكثير لا تتوافر في تلك المجرات. وأوضحت المنظومة الرقمية لـ "لومينا" أن تأين الهيليوم الثاني (He II) حدث في مرحلة لاحقة بقيادة الإشعاع القاسي الصادر عن النوى المجرة النشطة (AGNs) والثقوب السوداء الفائقة الضخامة (الكوازارات).
وأثبتت "لومينا" الإطار الزمني الدقيق لهذه العملية بما يتوافق مع قيود الرصد الفلكي:
- البداية: عند الانزياح الأحمر z \approx 6.
- منتصف العملية: عند الانزياح الأحمر z \approx 4.
- الاكتمال: تقريباً عند الانزياح الأحمر z = 3 (ما يعادل زمن نظرة إلى الخلف يبلغ 11.7 مليار سنة، أو 2.1 مليار سنة بعد الانفجار العظيم)، حيث انخفضت نسبة الحجم المتبقي للهيليوم غير المتأين إلى أقل من 1%.
"مع تلسكوب جيمس ويب الفضائي، أصبح الكون المبكر حدّاً جديداً ومثيراً في الفيزياء الفلكية. ولكي نفهم ما نراه بهذا التلسكوب، نحتاج إلى تحويل نظرياتنا إلى توقعات تفصيلية." — أوليفير زير (Oliver Zier)، الباحث الرئيسي في الدراسة وزميل معهد النظرية والحوسبة في (CfA).
2.3 السفر عبر الزمن إلى "ظهيرة الكون" (Cosmic Noon)
لكي تتمكن المحاكاة الكونية من نمذجة تأين الهيليوم كاملاً، كان عليها الاستمرار في الحسابات لمدّة "مليار سنة إضافية" تقريباً بعد انتهاء مرحلة إعادة تأين الهيدروجين، وذلك للوصول إلى الانزياح الأحمر z = 3، وهي الفترة التطورية المعروفة بـ "ظهيرة الكون" (Cosmic Noon)، والتي شهدت ذروة ولادة النجوم وأعلى درجات النشاط للكوازارات.
وقد فرض هذا التمديد الزمني تحدياً حسابياً معقداً للغاية؛ إذ أنه مع مرور الوقت تتكتل المادة وتحتشد وتتجمع بشكل متزايد تحت تأثير قوة الجاذبية، مما يجعل الحسابات الإشعاعية والهيدروديناميكية أكثر صعوبة وتطلباً للقوة الحوسبية. ومع ذلك، نجحت "لومينا" في التغلب على هذا التحدي عبر نمذجة ذاتية الاتساق تتبعت التطور المتبادل بين الغاز بين المجري والمجرات والنوى النشطة في آن واحد.
"لأول مرة، يمكننا المتابعة جنباً إلى جنب بينما تحول كل من الهيدروجين والهيليوم إلى شكلهما الحديث عبر مثل هذا الحجم الهائل من الكون، مع الاستمرار في تحليل المجرات والأجسام مضيئة الأخرى التي تقود هذا التحول." — آرون سميث (Aaron Smith)، أستاذ الفيزياء المساعد في جامعة تكساس في دالاس والباحث المشارك.
3. الخاتمة: الفجر الجديد لعلم الكونيات
تُمثل محاكاة "لومينا" جسراً نظرياً متيناً يربط بين قدرات الحوسبة الفائقة والبيانات الاستثنائية القادمة من تلسكوبي (JWST) و(NGRST). ومن خلال تقديم توقعات دقيقة حول كيفية تحول الهيدروجين والهيليوم عبر المليارات الأولى من عمر السديم الكوني، أصبح لدى علماء الكونيات أداة قياسية تفك اللثام عن التحولات المادية التي شكلت عالمنا.
ومع استعداد المراصد الفضائية للتعمق أكثر في أغوار هذا الفجر القديم، يبقى السؤال مفتوحاً: ما المفاجآت الفيزيائية غير المتوقعة التي ستكشفها لنا هذه التقنيات الرقمية والرصدية مستقبلاً حول الأصول الأولى لكوننا؟
