عجائب الكون اكتشف ما وراء المجهول

رحلة الـ 80 ألف عام: كل ما تحتاج معرفته عن مهمة فيرمي إكسبلورر إلى بروكسيما سنتوري

 

رحلة الـ 80 ألف عام: كل ما تحتاج معرفته عن مهمة "فيرمي إكسبلورر" إلى بروكسيما سنتوري


1. الخطوة الأولى للبشرية نحو السفر بين النجوم

تستعد البشرية لاتخاذ خطوتها الأولى والتاريخية نحو السفر بين النجوم من خلال إطلاق مهمة "فيرمي إكسبلورر" (Fermi Explorer)، المخطط لها في عام 2028. تهدف هذه المهمة الاستثنائية إلى إرسال مركبة فضائية تحمل أجهزة علمية في رحلة سحيقة نحو النجم Proxima Centauri، وهو أقرب نجم إلى كوكب الأرض ويقع خارج نطاق مجموعتنا الشمسية.

تقع هذه الوجهة على مسافة شاسعة تُقدَّر بحوالي 4.4 سنة ضوئية (أي ما يعادل تقريبًا 25.8 تريليون ميل). ولأن المساحات الكونية هائلة والسرعات المتاحة حاليًا محدودة، فمن المتوقع أن تستغرق الرحلة مدى زمنيًا يصل إلى 80,000 عام، لتصل المركبة إلى هدفها النهائي في حدود عام 81,528 ميلادية.

وقد تلقى العلماء المشاركون تحذيرًا صريحًا مفاده أنهم لن يروا ثمار تجاربهم أو نتائج أبحاثهم خلال حياتهم، نظرًا لأن المركبة ستستغرق آلاف السنين لعبور هذا الفراغ الكوني الشاسع.

وفي تجسيد بصرِيٍّ ملهم لهذه الرحلة العابرة للأجيال، يستعرض فيديو تصوري أعده القائمون على المهمة لحظة وصول المركبة في عام 81,528 ميلادية إلى محطة فضائية مستقبلية عائمة في نظام "ألفا سنتوري"؛ حيث يستقبلها أحفاد البشرية في المستقبل باحتفاء بالغ، باعتبارها واحدة من أهم القطع الأثرية التاريخية التي تجسد فجر عصر الطيران الفضائي للنسب البشري.

2. الرؤية الخيرة والقائمون على مشروع "فيرمي إكسبلورر"

يقف خلف هذا المشروع الطموح فريق قيادي يجمع بين الخبرة العسكرية والتقنية ورؤية استشرافية جريئة لمستقبل الوجود البشري في الفضاء. وتتكون القيادة الأساسية من:

  • كام غَفَاريان (Kam Ghaffarian): المؤسس المشارك للمهمة، وهو أيضًا مؤسس شركتي Axiom Space وIntuitive Machines اللتين تعملان بالتعاون مع وكالة "ناسا" لتطوير بدلات الفضاء لرواد مهمة "أرتيميس" (Artemis)، وبناء مركبات الهبوط القمري الروبوتية.
  • فيليب جونستون (Philip Johnston): المؤسس المشارك ورئيس مهمة "فيرمي إكسبلورر".
  • غاريت جيمسون (Garrett Jameson): قائد التنفيذ اليومي للمهمة، وهو ضابط سابق في القوات الجوية الأمريكية.

خلال استعراضه أبعاد المهمة في مهرجان Starmus Festival بمدينة تنريفي، عبَّر كام غَفَاريان عن الرؤية الفلسفية للمشروع قائلًا:

"أعتقد أن قدر البشرية هو أن تصبح كائنات بين النجوم... فكرتنا هي إطلاق أول قمر صناعي على الإطلاق من الأرض إلى بروكسيما سنتوري في عام 2028. وسوف يستغرق الأمر عدة آلاف من السنين، ولكن الهدف الأساسي هو إلهام الجيل القادم."

وعن توسيع نطاق الموائل البشرية وإعادة تعريف الغايات الاستكشافية في أفق عام 2050، أضاف غَفَاريان:

"يعتقد الكثير من الناس أن الوجهة النهائية هي القمر، وأنا هنا لأقول إن القمر ليس هو الوجهة، بل هو البداية الحقيقية. القمر هو المكان الأول الذي نحتاج فيه إلى بناء البنية التحتية لنتمكن من الإطلاق منه إلى المريخ والكواكب الأخرى... أعتقد أنه بحلول عام 2050، ستكون لدينا رحلات إطلاق كل ساعة إلى مدينة فضائية تقع خارج كوكبنا، حيث يعيش الناس ويعملون، وتتوفر لدينا جاذبية اصطناعية، وتتحول إلى مصنع ضخم يمكننا فيه إنشاء تقنيات الجاذبية الدقيقة التي ستعالج السرطان. وسيكون هناك أناس عندما تسألهم من أين أنتم، سيجيبون: 'أنا من القمر'. ثم ستكون لدينا رحلات إطلاق أسبوعية إلى سطح المريخ... وربما مهمات كل شهرين أو كل ثلاثة أشهر إلى ما بعد نظامنا الشمسي، وخاصة إلى أقرب نجومنا بروكسيما سنتوري."

3. حمولة المركبة: رسائل إلى المستقبل وتجارب علمية فريدة

حمولة المركبة: رسائل إلى المستقبل وتجارب علمية فريدة




تجمع حمولة المركبة بين البُعد الثقافي التوثيقي والتطبيقات العلمية الدقيقة، لتكون بمثابة كبسولة زمنية موجهة نحو الأعماق الكونية.

الجانب الثقافي والإنساني

ستحمل المركبة نسخة مطابقة لـ "السجل الذهبي" (Golden Record) الذي أُطلق سابقًا مع مهمتي "فوياجر". يتضمن هذا السجل معادلات رياضية، وصورًا للنباتات والحيوانات والمناظر الطبيعية على الأرض، وتحيات مسجلة بـ 55 لغة مختلفة، ومقطوعات موسيقية، وأصواتًا من الطبيعة مثل تغريد الطيور، وصوت أقدام، وضحكات، ورسالة مكتوبة من الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر. بالإضافة إلى ذلك، ستحمل المركبة رسائل حديثة جمعت من أطفال من مختلف أنحاء العالم لتمثيل الأجيال الحالية.

الجانب العلمي والبحثي

على الصعيد العلمي، ستُزوَّد المركبة بصفائح خاصة لتقصي النيازك الدقيقة (witness plates) مزودة ببلاطات من "الأيروجيل" (aerogel) لالتقاط حبيبات غبار النجوم بين النجمية أثناء الرحلة. كما ستحمل "ساعة النظائر المشعة" (radioisotope clock)، وهي أداة علمية تتيح لمن يسترد المركبة أو يعثر عليها في المستقبل البعيد حساب معدل التحلل الإشعاعي للنظائر بدقة، ومن ثم تحديد التاريخ والعهد الذي أُطلقت فيه المركبة من الأرض. وقد تم تنبيه الفريق العلمي بوضوح إلى عدم توقع استقبال بيانات من معظم هذه الحساسات والأجهزة العلمية لمدة تصل إلى نحو 80,000 عام.

4. المسار الفلكي والسياق التاريخي للمهمة


المسار الفلكي والسياق التاريخي للمهمة



تم اختيار نظام "ألفا سنتوري" (Alpha Centauri) النجمي لأنه أقرب الأنظمة النجمية إلى الأرض، ويتجه حاليًا نحو مجموعتنا الشمسية، فضلاً عن سهولة تحديد موقعه في السماء ليلاً، مما يتيح لسكان الأرض مراقبته وإدراك أن البشرية قد أرسلت أثرًا إنسانيًا نحو تلك البقعة من الكون. ويُعد النجم المستهدف، بروكسيما سنتوري (Proxima Centauri)، هو النجم المظلم والأنجم الأقرب تحديدًا ضمن هذا النظام النجمي الثلاثي.

ونظرًا لأن النظام النجمي يتحرك نحو الشمال الغربي في القبة السماوية، فإن المركبة لن تُوجَّه نحو موقعه الحالي، بل نحو الموقع الفلكي الذي سيصل إليه بعد 79,500 عام، وهو موضع تقع فيه حاليًا كوكبة السرطان (Cancer). ومن المخطط أن تغادر المركبة حدود نظامنا الشمسي في عام 2043 تقريبًا.

تستمد المهمة اسمها من Fermi Paradox (مفارقة فيرمي)، المنسوبة للعالم الفيزيائي إنريكو فيرمي، والتي تطرح التساؤل الخالد: إذا كانت هناك احتمالية عالية لوجود حضارات ذكية أخرى في الكون، فأين الجميع ولماذا لم يزوروا الأرض؟

يوضح الجدول التالي موقع مهمة "فيرمي إكسبلورر" مقارنة بالمشاريع والمفاهيم التاريخية المذكورة في هذا السياق:

المركبة / المهمة

الهدف / الوجهة

الحالة / الملاحظات

فوياجر 1 و2 (Voyager 1 & 2)

مغادرة النظام الشمسي

الأجسام الوحيدة التي صنعها الإنسان والتي غادرت النظام الشمسي حتى الآن.

فيرمي إكسبلورر (Fermi Explorer)

بروكسيما سنتوري (Proxima Centauri)

أول مركبة يُخطط لإطلاقها نحو نظام نجمي آخر (مخطط الإطلاق عام 2028).

بريك ثرو ستار شوت (Breakthrough Starshot)

ألفا سنتوري (Alpha Centauri)

مفهوم مقترح من البروفيسور ستيفن هوكينغ لدفع شراع صغير باستخدام شعاع ضوئي (Breakthrough Starshot).

5. التحديات الفنية والنداء الموجه للمستقبل


التحديات الفنية والنداء الموجه للمستقبل



تواجه مهمة "فيرمي إكسبلورر" مجموعة من التحديات التقنية والتمويلية التي يعمل الفريق على التعامل معها من خلال الخطوات التالية:

  1. التمويل وطرح المناقصات: يعمل الفريق حاليًا على جمع 15 مليون دولار لتمويل المشروع، كما دعا العلماء والفنانين للتقدم بمقترحات للأجهزة العلمية والأعمال الفنية لوضعها على متن المركبة. وتستعد المهمة للظهور في مناقصة مفتوحة لكبرى الشركات العالمية المصنعة للأقمار الصناعية.
  2. إدارة الطاقة والاتصالات: لا يزال الفريق يفاضل بين خيارات تقنية متعددة لتزويد المركبة بالطاقة طوال الرحلة. كما ستُزود المركبة بهوائي اتصالات صغير، مما يعني أن الاتصال بها سينقطع تمامًا بمجرد مغادرتها حدود النظام الشمسي.
  3. النداء الموجه للبشرية المستقبلية: وجه فريق المهمة "طلبًا صريحًا للبشرية والذكاءات المستقبلية" بعدم اعتراض المركبة أثناء رحلتها في الأعماق، تركها لتستمر في مسارها لتكون "إحدى أهم القطع الأثرية في الكون"، مع توقع أن تتجاوزها مركبات فضائية أخرى أكثر تطورًا سرعةً مع تقدم التكنولوجيا في القرون القادمة.
  4. الطموح الكوني البعيد: في حال نجاح إطلاق هذه المهمة، يطمح الفريق لإرسال مركبة أخرى مستقبلاً نحو مجرة أندروميدا (Andromeda)، في رحلة يُقدَّر أن تستغرق مليار عام لمغادرة مجرتنا درب التبانة والوصول إلى المجرة الجارة.

6. الخاتمة: فلسفة الرحلة وإلهام الأجيال

فلسفة الرحلة وإلهام الأجيال



تتجاوز مهمة "فيرمي إكسبلورر" أبعادها التقنية لتصبح تجسيدًا فلسفيًا لإرادة الإنسان في تجاوز حدود زمنه المباشر، وصياغة أثر يمتد لآلاف السنين. وحول هذه الفلسفة، يصرح فيليب جونستون، المؤسس المشارك ورئيس المهمة:

"نأمل أن نكون أول من يغادر وأخر من يصل إلى ألفا سنتوري. لن يكون أي منا هنا عندما تنتهي هذه الرحلة، وهذا هو المغزى الأساسي. الأمر يتعلق باتخاذ الخطوة الأولى القابلة للتحقيق وإلهام الأجيال القادمة لمواصلة دفع الحدود التي ورثناها."

ومن جانبه، يؤكد غاريت جيمسون، قائد التنفيذ اليومي للمهمة:

"الجزء الأكثر إلهامًا في هذه المهمة هو أن الناس لا يتعين عليهم الانتظار للحصول على إذن أو ظروف مثالية. يمكننا تقبل القيود، وبناء ما هو ممكن الآن، ومنح الجيل القادم شيئًا ذو معنى ليبنوا عليه."

إن رحلة الـ 80 ألف عام ليست مجرد إطلاق لمركبة فضائية نحو النجوم، بل هي وثيقة إيمان إنسانية عابرة للقرون، تفتح الباب أمام خلود الحضارة البشرية واستمرار شغفها الأبدي بالاستكشاف.


الرئيسية فيديوهات الأرشيف المحاكاة من نحن
تم نسخ الرابط بنجاح! ✓